صفي الرحمان مباركفوري
152
الرحيق المختوم
فروة ، وقلت : نم يا رسول اللّه ، وأنا أنفض لك ما حولك ، فنام ، وخرجت أنفض ما حوله ، فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخرة ، يريد منها مثل الذي أردنا ، فقلت له : لمن أنت يا غلام ؟ قال : لرجل من أهل المدينة أو مكة . قلت : أفي غنمك لبن ؟ قال : نعم . قلت : أفتحلب ؟ قال : نعم . فأخذ شاة ، فقلت : أنفض الضرع من التراب والشعر والقذى . فحلب في كعب كثبة من لبن ، ومعي إداوة حملتها للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، يرتوي منها ، ما يشرب ويتوضأ ، فأتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فكرهت أن أوقظه ، فوافقته حين استيقظ ، فصببت من الماء على لبن حتى برد أسفله ، فقلت : اشرب يا رسول اللّه ، فشرب حتى رضيت ، ثم قال : ألم يأن الرحيل ؟ قلت : بلى ، قال : فارتحلنا « 2 » . 2 - كان من دأب أبي بكر رضي اللّه عنه أنه كان ردفا للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وكان شيخا يعرف ، ونبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم شاب لا يعرف ، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول : من هذا الرجل الذي بين يديك ؟ فيقول : هذا الرجل يهدينا الطريق ، فيحسب الحاسب أنه يعني به الطريق ، وإنما يعني سبيل الخير « 1 » . 3 - وتبعهما في الطريق سراقة بن مالك . قال سراقة : بينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج ، أقبل رجل منهم حتى قام علينا ، ونحن جلوس ، فقال : يا سراقة ، إني رأيت آنفا أسودة بالساحل ، أراها محمدا وأصحابه . قال سراقة : فعرفت أنهم هم . فقلت له : إنهم ليسوا بهم ، ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا ، ثم لبثت في المجلس ساعة ، ثم قمت فدخلت ، فأمرت جاريتي أن تخرج فرسي ، وهي من وراء أكمة ، فتحبسها علي ، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت ، فخططت بزجة الأرض ، وخفضت عاليه ، حتى أتيت فرسي ، فركبتها ، فعرفتها تقرب بي حتى دنوت منهم ، فعثرت بي فرسي فخررت عنها ، فقمت ، فأهويت يدي إلى كنانتي ، فاستخرجت منها الأزلام ، فاستقسمت بها ، أضرهم أم لا ؟ فخرج الذي أكره ، فركبت فرسي وعصيت الأزلام ، تقرب بي ، حتى إذا سمعت قراءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - وهو لا يلتفت ، وأبو بكر يكثر الالتفات - ساخت يدا فرسي في الأرض ، حتى بلغتا الركبتين ، فخررت عنها ، ثم زجرتها فنهضت ، فلم تكد تخرج يديها ، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان ، فاستقسمت بالأزلام ، فخرج الذي أكره ، فناديتهم بالأمان ، فوقفوا ، فركبت فرسي حتى جئتهم ، ووقع
--> ( 1 ) صحيح البخاري 1 / 510 . ( 2 ) روي ذلك البخاري عن أنس 1 / 556 .